فخر الدين الرازي

176

القضاء والقدر

وعاشرها : ما روى أن ابن عباس لم يقبل خبر أبي سعيد في ربا الفضل . وتمسك بما رواه عن أسامة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا ربا إلا في النسيئة » « 1 » . وفي الجملة : فهذا القدر القليل يرشدك إلى وجدان أمثال هذه المطاعن في كتب التواريخ . وإذا ثبت هذا ، فنقول : هذا يوجب تطرق الطعن إليهم . لأن الطاعن ، إن صدق فقد صار المطعون فيه مجروحا ، وإن كذب فقد صار الطاعن مجروحا . وكيف كان فالجرح لازم . الوجه الثالث في تقرير هذا الطعن : إن كثيرا من الصحابة طعنوا في أبي هريرة . وبيانه من وجوه : أحدها : إن أبا هريرة روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أصبح جنبا فلا صوم له » « 2 » فرجعوا في هذه المسألة إلى عائشة ، وأم سلمة . فقالتا : كان النبي عليه السلام يصبح جنبا ، ثم يصوم . فذكروا ذلك لأبي هريرة . فقال : هما أعلم بذلك . أنبأني بهذا الخبر : الفضل بن عباس . واتفق أنه كان ميتا في ذلك الوقت . وثانيها : أنه لما روى قوله عليه السلام : « إذا استيقظ أحدكم فلا يغمسن يده في الإناء ، حتى يغسلها ثلاثا » « 3 » قال ابن عباس كالمنكر لقوله : فما تصنع بمهر أستا ؟ . وثالثها : ما روي أن عمر رضي اللّه عنه منع أبا هريرة عن الرواية ، وعلاه بالدرة « 4 » .

--> - رويدا ثم قرأت ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) قالت : أين يذهب بك ؟ إنما هو جبريل . من أخبرك أن محمدا رأى ربه أو كتم شيئا فما أمر به أو يعلم الخمس التي قال اللّه تعالى ( إن اللّه عنده علم الساعة ) فقد أعظم الفرية ولكنه رأى جبريل » . ورواه الحاكم ( 2 / 316 ) وعزاه السيوطي في الدر المنثور أيضا لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ( 6 / 124 ) . ( 1 ) حديث « لا ربا إلا في النسيئة » رواه البخاري في البيوع باب بيع الدينار بالدينار نسأ ( 3 / 98 ) ومسلم في المساقاة باب بيع الطعام مثلا بمثل ( 3 / 1217 رقم 1596 ) والنسائي ( 7 / 281 ) وابن ماجة ( 2 / 758 رقم 2257 ) وأحمد ( 200 و 202 و 203 و 204 و 206 و 209 ) . ( 2 ) حديث « من أصبح جنبا فلا صوم له » رواه مسلم في الصيام باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ( 2 / 779 رقم 1109 ) بلفظ : من أدركه الفجر جنبا فلا يصم . وهو جزء من حديث أم سلمة وعائشة رضي اللّه عنهما : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم . وقد استدركا به على أبي هريرة رضي اللّه عنه . وفيه أن أبا هريرة قال لعبد الرحمن بن الحارث راوي الحديث : أهما قالتاه لك ؟ قال : نعم . قال : هما اعلم . ورواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي . وقد بين مسلم أن أبا هريرة رجع عما كان يقول في ذلك . وأنه رد ذلك إلى الفضل بن العباس . وقال : سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي صلى اللّه عليه وسلم . وذكر نحو ذلك البخاري بدون قوله : ولم أسمعه . . . ( 3 ) حديث « إذا استيقظ أحدكم . . . » رواه البخاري في الوضوء باب الاستحجار وترا ( 1 / 52 ) ومسلم في الطهارة باب كراهة غمس المتوضّئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا ( 1 / 233 رقم 278 ) ومالك ( 1 / 21 ) وأبو داود ( 1 / 25 - 26 رقم 103 - 15 ) والترمذي ( 1 / 36 رقم 24 ) والنسائي ( 1 / 6 و 7 ) وابن ماجة ( 1 / 138 رقم 393 ) . وليس فيه هذه الزيادة المنقولة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . ( 4 ) « لم يثبت قط أن عمر رضي اللّه عنه ضرب أبا هريرة بدرته لأنه أكثر الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » ( أبو هريرة راوية الإسلام لمحمد عجاج الخطيب ) . وقد رد المؤلف هذه الرواية وضعفها . وهي منقولة عند الشيعة . وهم يطعنون في أبي هريرة رضي اللّه عنه . قلت : ولو ثبت هذا فهو محمول على تصرف الإمام فيما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين . وقد -